علي بن زيد البيهقي
92
تاريخ بيهق
عندها دعاني داع على حين غرة لإحياء العلوم على قدر المستطاع ، والتجديد في كل فن منوط بمقدار السعي « وجهد المقلّ غير قليل » « 1 » . وقد عزّت علوم في بلاد خراسان هذه الأيام ، واندرست آثارها ، منها : علم الحديث النبوي ، حتى إنه لو كتب أحدهم عشرة أسانيد : خمسة منها صحاح ، وخمسة خطأ ، فقلّما يوجد الشيخ الذي يعرف الصحيح والسقيم من تلك الأسانيد ، أو المحدث العارف لأستاذه الذي يروي عنه ، وما هي مفرداته ، وكم هو عدد الطلاب والمستفيدين الذين نقلوا عنه ، ومن كان منهم العدل أو المجروح . وإنها لمصيبة عظمى وبلاء كبير أن لا يكون في أمة محمد رسول اللّه فيما يزيد على مئة فرسخ عالمان اثنان ناقدان لأسانيد وأحاديث المصطفى صلى اللّه عليه وسلم [ 4 ] : مضى العلماء وانقرضوا * وها أنا للردى غرض « 2 » وأما العلم الآخر ، فهو علم الأنساب ، وهو علم شريف ، إذ لكل أمة علم خاص بها : فللروم علم الطب ، ولليونانيين علوم الحكمة وأصول الطب وميزان المنطق التي ارتوت مراعي المساعي ومسارح مناجح العالمين بقطرها ، وانجلت بمجاهدات ومعالجات الأطباء ، غمرات الأسقام ، وعبرات الآلام ، ووصلت القلوب بعلم ميزان المنطق من الحيرة والأقاويل إلى مرتبة الاطمئنان ، وللهند الحساب والتنجيم ، وللفرس علوم آداب النفس والمعرفة ، وهو علم الأخلاق ، وللترك علم الفروسية ، وآداب السلاح ، ولأهل الصين الصنائع والحرف العجيبة . قال تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 3 » ، وكل ذات ذيل تختال .
--> ( 1 ) في المستدرك على الصحيحين ( 1 / 574 ) والسنن الكبرى للبيهقي ( 4 / 180 ) : « سئل رسول اللّه ( ص ) : أيّ الصدقة أفضل ؟ قال : جهد المقلّ ، وابدأ بمن تعول » . ( 2 ) نسبه الثّعالبيّ في يتيمة الدهر ( 4 / 156 ) لأبي القاسم عبد اللّه بن عبد الرحمن الدينوري . ( 3 ) سورة الروم ، الآية 32 .